النزعة الوجودية في السينما التركية الجديدة
السينما التركية
تعود بدايات نشأة السينما في تركيا إلى الدولة العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر، حيث شهدت تأسيس دور السينما بالتزامن مع تأسيس مثيلاتها في العواصم الأوربية بفارق بسيط، فقد بدأت السينما الفرنسية تعرض أول أفلامها عام ١٨٩٤، بينما كان العرض السينمائي الأول في الدولة العثمانية بعده بعام أو عامين.
منذ ميلاد السينما التركية بطريقة عسيرة سنة ١٩١٤ استطاع المخرج فؤاد أوز قيناي تقديم أول فيلم وثائقي تركي بعنوان انهيار النصب الروسي في آياستوفونوس كما قدم في الفترة ذاتها أول سينمائي تركي بعنوان “زواج همت آغا عام ١٩١٤ واستكمل في عام ١٩١٩، وتميزت ذات الفترة بإخراج أفلام أخرى عديدة منها أفلام إخبارية عن الحرب العالمية الأولى وكلها كانت موضعية بحته، حيث ركزت السينما التركية في بداياتها على طابع الأفلام “الكولونالية”، “السينما الوطنية” والسينما الاجتماعية”.
السينما التركية الحديثة والفلسفة الوجودية
يعرف الفيلسوف المصري عبدالرحمن بدوي الوجودية فيقول أن الوجودية أحدث المذاهب الفلسفية، وفي الوقت نفسه هي من أقدمها. أحدثها لأن لها مركز الصدارة والسيادة في الفكر المعاصر، وهي أصدق تعبير عن حالة القلق العام الذي تملك الشعور الحاد به بعد الحرب العالمية الأولى والثانية. فلقد كان لهذين الحادثين أثر بالغ في إشعار الإنسانية بالمعاني الكبرى التي تؤلف نسيج وجودها. والوجودية أيضاً من أقدم المذاهب الفلسفية لأن العصب الرئيسي للوجودية هو انها فلسفة تحيي الوجود، وليست مجرد تفكير في الوجود.
مع مطلع التسعينات ظهر جيل جديد من صناع الأفلام الأتراك من مختلف المناطق مثل نوري بيلجه جيلان و زكي ديميركوبز و سميح كابلانوغلو و تايفون بيرسيلموغلو وغيرهم عاش هؤلاء المخرجين فترة زمنية صعبة بين أمجاد الماضي و مستقبل مجهول ومضطرب وقد ساهموا في صناعة أفلام فنية حديثة بميزانية ضئيلة تتحدث عن معضلات الإنسان التركي المعاصر كاضطراب الهوية والتغيرات الاجتماعية و الاقتصادية في الحياة اليومية وحلم الهجرة والشعور بالغربة وعدم الانتماء وصراع الأجيال والبحث عن معنى حقيقي للحياة . وقد شاركوا بأفلامهم في عدة مهرجانات عالمية وفازوا بأهم الجوائز الدولية .
يمكن القول أن السينما التركية الحديثة هي نتاج لكل ما مرت به تركيا من أحداث وظروف معظم حياتها فنجد أن الفلسفة الوجودية لها تأثير عميق في الأفلام التركية ويرجع ذلك أولاً للجذور الصوفية بحيث تنتشر الصوفية بشكل كبير في تركيا وتعتبر مدينة قونية التركية عاصمة للصوفية فبها يوجد ضريح مولانا جلال الدين الرومي أحد أشهر وأهم الفلاسفة والمفكرين ومؤسس الطريقة المولوية، وقد جاء اسم الصوفية من الصفاء، صفاء القلب حتى يرتقي الإنسان إلى الله والتصوف عنوة لا صلح فيها، اما الحضرة الصوفية فهي تسلسل وراءه عمق فكري حول الحركة التي يدور بها كل شيء. وتتشابه الصوفية والوجودية في أن جوهر كلاهما هو البحث عن الله والحقيقة وإدراك الذات.
شهدت تركيا العديد من المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية طوال تاريخها الحافل بالأحداث، فلم تكن تركيا اليوم تعرف دائما بتركيا فقد كانت في يوم من الأيام تعرف بإسم الدولة العثمانية التي سميت نسبه لعثمان الأول وهي اخر خلافة إسلامية وقد شمل حكمها دول شبه الجزيرة ومصر والشام وشمال أفريقيا والبلقان والقوقاز وأجزاء من أوروبا وأفريقيا واستمرت لنحو ٦٠٠ عام وقد مرت بأعلى مراحل القوة وأقصى لحظات الضعف تميزت الدولة العثمانية بالعمارة والإدارة و تنظيم الجيش وبعض الفنون وبعد ما يقارب من ستة قرون وفي أوائل القرن العشرين ظهرت حركة تركيا الفتاة وهي حركة سياسية إصلاحية بقيادة مجموعة من الطبقة المثقفة من المجتمع وقد كانت تهدف لتغير الحكم من الحكم الملكي المطلق إلى الحكم الدستوري وبعد انتصار ثورة حزب تركيا الفتاة وتغييرها للنظام دخلت تركيا مرحلة جديدة من التعددية الحزبية وهنا بدأت ملامح القومية التركية في الظهور والتي ستنتقل فيما بعد إلى البلقان والوطن العربي حيث ستشكل موجة من الحركات القومية. تؤمن القومية التركية التي سميت نسبة لمصطفى كمال اتاتورك مؤسس تركيا الحديثة بوحدة الشعب التركي وسيادته من حيث العرق واللغة والهوية ومع نهاية الحرب العالمية الاولى ستنتهي حكاية الدولة العثمانية تبدء حكاية تركيا، إن هذه التحولات كانت سبباً لترسيخ مبادئ الديمقراطية والحرية والعدالة وحب الوطن.
يتمثل التقسيم العرقي في تركيا نحو حوالي ٧٨٪ من الأتراك و١٤٪ من الأكراد و٨٪ أقليات من عرقيات متعددة من عرب، وزازيون، وشركس، وجورجيون، وأرمن، ويونان، وألبان، وآشوريون، وآراميون، وبوسنيون، وشيشانيون، وبلغاريون، ولازيون، وروس، وألمان، وإستونيون، ورومانيون وأوزبك وقرغيز وقازان وتتار وأذريين وغيرهم.
يعود تاريخ الثورات الكردية التركية منذ عهد الدولة العثمانية وفي عام ١٩٧٨ تحولت الاحتجاجات إلى صراع مستمر حتى يومنا هذا. وهو نزاع مسلح بين الجمهورية التركية والجماعات الكردية، حيث يسعى الأكراد للإنفصال عن تركيا وتأسيس دولة كردستان الاشتراكية المستقلة.
بعد الحرب العالمية الثانية ازدادت عمليات الهجرات إلى الدول الغربية وليس غريباً أن الاتراك يشكلون أكبر جالية أجنبية في المانيا ولا يزال حلم الهجرة يسكن العديد من الشباب التركي.
وبطبيعة الحال فإن أغلب الفنانين والمخرجين الذي برز صيتهم في فترة التسعينات كانوا شهوداً على ٤ انقلابات عسكرية ومحاولة انقلاب خلال الستون عاماً التي مضت.
هذه الوقائع لها تأثير كبير على المجتمع وعلى طريقة تفكيره ومكانته في العالم وعلى الإنتاجات الفنية والثقافية، إن انعدام الاستقرار السياسي والنزاع على السلطة والصراعات المستمرة تشكل عامل يجتاح الإنسان ويعزز فيه الشعور بعدم الاستقرار والأمان والانتماء والضياع واضطراب في الهوية.
تتأثر صناعة السينما بالأوضاع العاملة للبلاد وتنعكس هذه القضايا عبر الشاشة الكبيرة وتشكل وسيلة للتعبير والتأريخ والتذكير ولذلك يستمر الشعب التركي في ممارسة شتى أنواع الفنون للتذكير بوجود الإنسان على هذه الحياة.
نوري بيلجه جيلان تشريح النفس البشرية
ثلاثة قرود ٢٠٠٨
في فيلم ثلاثة قرود يتم تسليط الضوء على عائلة تركية مكونة من أب وأم وابن، يقبل الأب الذي يعمل سائقاً بأن يدخل السجن نيابة عن رب عمله السياسي سيرفت اركان كيسال الذي اصطدم بشخص وفر هارباً. يتفق السياسي مع السائق أن يمنحه مبلغ من المال نظير دخوله السجن وأن يسلم راتباً شهرياً لزوجته ثم تتوالى الأحداث.
يقدم نوري بيلجه جيلان في فيلم ثلاثة قرود تشريحاً عميقاً للنفس البشرية فجميع الشخصيات في هذا الفيلم حقيقة، مذنبة، ومخطئة، وأنانية. يتحدث جيلان في هذا الفيلم عن الطبقية وتأثير السلطة فنجد أن الطبقية خلقت إنساناً تحكمه القوة ويملؤه الخوف، والكذب، والتزييف، والتواطؤ.
بعيد ٢٠٠٢
في فيلم بعيد ينتقل يوسف عامل المصنع من الريف ليبحث عن عملٍ له في المدينة، فيسكن مع ابن عمه محمود الذي يعمل مصور إعلانات، وبالرغم من كبر حجم المدينة واكتظاظها بالسكان يعاني يوسف من الوحدة والاغتراب والضياع يمثل يوسف شريحة كبيرة من الشباب الذين هاجروا للمدينة لتحقيق أحلامهم واصطدموا بالواقع المرير والشعور بالوحدة والإحباط وضياع الهوية.
زكي ديميركوبز العبثية
فيلم غثيان ٢٠١٦
يخسر أحمد المفكر البارز كلاً من زوجته وابنته في حادث مروري وقع بينما كان يقضي الليلة مع حبيبته. كشخص لا يهتم بأي شيء، لا يتأثر أحمد كثيرًا بهذا الحدث المأساوي. يصور ديميركوز في فيلم غثيان الذي يذكرنا اسمه برواية الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر بعبثية الإنسان المعاصر وبحثه المستمر عن معنى للوجود دون أي جدوى.
فيلم في الداخل ٢٠١٢
فيلم في الداخل مقتبس من رواية الكاتب الروسي دوستويفسكي مذكرات قبو، يلاحق ديميركوبوز محرم وعندما يتلقى دعوة لحضور حفل لكنه يجد نفسه غير مرحب به، فقط ليجد نفسه يشعر بالاشمئزاز والقرف لتواجده في تلك الحفلة.
أفلام زكي ديميركوبز تمثل تأمل للوجود الإنساني الخالص والسلوك البشري وصراع الإنسان مع ذاته .
سميح كابلانوغلو الغربة و المصير
ثلاثية يوسف
تتضمن ثلاثية يوسف بثلاثة أفلام البيض ٢٠٠٧، الحليب٢٠٠٨، والعسل ٢٠١٠وقد تم تسمية السلسة بثلاثية يوسف نسبه لبطل العمل يوسف وقد تم تصوير هذه الثلاثية وعرضها بترتيب زمني معكوس. تعرض السلسلة موضوعات مثل الحنين والغربة والإختلاف بين حياة الريف والمدينة والذكريات والتقدم في العمر.
تشهد السينما التركية الجديدة تقدماً ملحوظاً ومزدهراً وذلك لإهتمامها بالإنسان شعوره، كينونته، أحلامه، وغاياته. ويبدو أن السينما التركية ستشهد ولادة صناع أفلام جدد لينقلوا صورة المجتمع التركي المعاصر ومع زيادة عدد المهرجانات السينمائية في تركيا والمنصات الرقمية سيكون هناك قفزة مهمة للأعمال السينمائية التركية.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.