سينما هوليوود: معضلة الإنسان والقصة

الإنسان أو قصة الإنسان؟

   بعد مرور أكثر من مئة عام على نشأة السينما، انتتجت العديد من الافلام حيث ضمت صناعة السينما مختلف دول العالم، تعكس السينما قصصاً متنوعة حول حياة الأفراد فيمر الشريط السينمائي بثلاث مراحل مرحلة البداية التي تمثل نظرة عامة وتعريفية للشخصيات والقصة ومرحلة الذروة والصراع وتعارض الأهداف وتضارب المصالح وفي هذه المرحلة تبدأ الأحداث في التوالي واخيرا مرحلة النهاية التي تشكل جوهر الفيلم وتحمل قيمته ، يرى البعض انه القصة هي العنصر الأهم في الفيلم كونها تمثل السرد الروائي والتفصيلي للعمل الفني بينما يرى آخرون أن العناصر الاخرى كالإخراج والمونتاج والإضاءة مهمة بنفس القدر، لكن يبقى السؤال هل قصة الإنسان أهم من الإنسان نفسه؟

الإنسان: مخلوق عاقل ديني اجتماعي ميتافيزيقي.

الشخصية: هي تكوين الإنسان من حيث الصفات والسلوك وكيفية تعامله مع البيئة المحيطة به كما ترتبط الصفات الشخصية بعوامل التنشئة والعوامل الاجتماعية والاقتصادية والدينية.

القصة: هي نص من النصوص تعتمد على سرد الأحداث الواقعية أو الخيالية والهدف منها هو الربط بين الفائدة والمتعة ونشر الوعي.

  مرت صناعة السينما الأمريكية بالكثير من التحديات والعقبات على مدى أكثر من قرن أبرزها الحرب العالمية الأولى والثانية، الأزمات الاقتصادية، التحولات السياسية كما لعبت الأوبئة والأزمات الصحية دور بارز في التأثير على عدة جوانب أما في وقتنا الحالي فتقف أمام السينما عقبة كبيرة الا وهي الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي

  انتهت منذ فترة وجيزة مظاهرات كتاب السيناريو والعاملين في هوليوود بعد فترة استمرت 148 يوماً و التي بدأت بسبب انخفاض الأجور وفرص العمل وتهديد الذكاء الاصطناعي، فالحقيقة لا يمثل الذكاء الاصطناعي الخطر الحقيقي الذي يواجه صناع الأفلام بل إن صناع الأفلام في هوليوود قد مهدوا بشكل مسبق لهذه النتيجة فقد أهملت السينما الأمريكية حقيقة الإنسان منذ فترة زمنية طويلة حتى ابتلعتها التكنولوجيا فقد اختفت المدن الصغيرة والولايات والحياة اليومية والبيوت والفلاحون و عمال المصانع و الفقراء الحالمون بجمال الغد ولم نعرف شيئاً عن ما يتميز به هؤلاء الذين يعيشون في غرب الولايات او شمالها ، اختفى الإنسان وحل بدله فكرة الإنسان الخارق والإنجازات الضخمة وناطحات السحاب.

لماذا يتم تهميش الإنسان العادي والحياة اليومية في سينما هوليوود؟

الفردانية 

يمكن تعريف التاريخ الأمريكي الحديث بأنه السعي المتواصل نحو الحرية والمزيد من الحرية بحيث تقوم المعايير الأمريكية على المطالبات المستمرة بالمزيد من الحقوق وكلما حصل الإنسان على المزيد من الاستقلالية كلما شعر أنه مقيد.

في الأصل الإنسان الأمريكي العادي هو إنسان مميز غير عادي لأنه يملك كافة الحقوق والامتيازات مقارنة بباقي سكان الكرة الأرضية، فالشخص الأمريكي منفرد بذاته مستقل في سن ١٨ يملك رصيداً من التجارب الإنسانية قادر على عيش حياته بالطريقة التي يريدها يصب جل اهتمامه على نفسه وأهدافه وتطوير ذاته في الحياة وعلى الرغم من هذه المميزات لا يزال الامريكيون عالقون تحت تأثير العزلة مبدأ مونرو فالشخصية الأمريكية تميل للانعزال الخارجي والداخلي ولا تهتم بما يحدث حولها في العالم وتتأثر بسهولة بما تمليه عليها وسائل الإعلام إن هذه التناقضات شكلت فكرة الإنسان الأمريكي الحداثي.

تعظيم النجاح

إن أفكار ومبادئ الحلم الأمريكي عززت وعظمت لفكرة التحول والفعل والمحاولة والنجاح فلطالما مثلت الولايات المتحدة الأمريكية أرضاً للتحقيق الاحلام فهي البلد التي انجبت أعظم الفنانين في العالم من مايكل جاكسون إلى ويتني هيوستن وهي العمود الأساسي لأعظم اقتصاد وبها توجد أرقى المؤسسات التعليمية والجامعات كجامعة هارفرد العريقة وجامعة ييل وبرنستون وهي أرض الإعلام والصحافة والتكنولوجيا والطب والسياحة والحرية.

 بعد الحرب العالمية الثانية استخدمت الولايات المتحدة الفن كسلاح لتعزيز صورة الحلم الأمريكي للدعاية لأعظم كيان بشري وقد نجحت وسائل الإعلام الأمريكية على ترسيخ هذه الصورة حتى يومنا هذا.

تمثل الولايات المتحدة ارض الحرية وتعدد الهويات

بالرغم أن المجتمع الأمريكي يعد مجتمع متعدد الأعراق والهويات إلا انه ولفترة طويلة من الزمن لم يتم تسليط الضوء على قصص الهويات المختلفة من المجتمع الأمريكي بل كانت القصص تسرد على لسان فئة معينة من المجتمع بينما تمثل العرقيات الاخرى أدوار مساندة أو هامشية لقد بلورت هوليوود لفكرة فوقية الإنسان الابيض فتاريخ السينما الأمريكية يعد تاريخاً أبيض.

تتميز الولايات المتحدة الأمريكية أن هناك مواطن يحمل الجنسية الأمريكية من كل قارة من قارات العالم ومن كل ديانة ومن كل عرقية وثقافة، تواجه كل عرقية في الولايات المتحدة تحديات مختلفة مثل العنصرية والكراهية والتنمر وتأثير وسائل الإعلام والامر ذاته ينطبق على الاديان والثقافات المتعددة ولا يزال هناك فجوة كبيرة في تمثيل الأقليات في سينما هوليوود بداية من السكان الأصليين ومروراً بجميع الأقليات.

بدأت هوليوود محاولاتها في تسليط الضوء على الأقليات مؤخراً لكن هذه الخطوة ليست ناتجة عن ارادة حرة بل هي أداة لرسم ملامح صورة الهوية السينمائية الجديدة لفرض الأجندات.

إهمال الإنسان

هل الحياة العادية أصبحت غير جديرة بالذكر؟  بمعنى أن الأفعال اليومية كالاستيقاظ في مدينة صغيرة والذهاب للعمل وتوفير مبلغ من المال لشراء سيارة أو منزل وشرب كوب من القهوة وقراءة كتاب ومقابلة صديق بعد يوم طويل تعد أعمالاً عادية مقارنة بالأشخاص الذين يعيشون في شقة صغيرة في مدينة نيويورك حاملين معهم أحلاماً كبيرة وأملاً في تغيير العالم وبناءً على ذلك تكون لهم الأفضلية في أن ينظر لهم العالم اي هل كلما كبر الحلم زادت قيمة الإنسان؟

تركز هوليوود على فكرة الإنجاز بحيث تسلط الضوء على الشخصيات الحالمة ذات الطموح العالي العادية من الخارج والمميزة من الداخل فدائماً ما تسيير سيناريوهات هوليوود كالتالي الفشل الى نجاح – الصداقة إلى حب – الفقر إلى غنى

وبالرغم أن هوليود انتجت أكثر من ٥٠ ألف فيلم إلا انه لا يزال هنالك اوجه عديدة لم يتم الكشف عنها في تكوين الإنسان الأمريكي كالاختلاف بين النشأة وطبيعة الحياة في الولايات الأمريكية ال٥٠ واللهجات الأمريكية المتعارف عليها وطرق التعامل والمعيشة داخل الأسرة الأمريكية متوسطة الدخل والأعمال اليومية العادية وماهي المواضيع النقاشية التي تناقشها العائلة الأمريكية؟ وغياب الهوية الواحدة وردود فعل الأسر والمؤسسات التعليمية على الإعلام الأمريكي وكيف ينظر الامريكي لسكان العالم والوضع العام للأقليات ومواضيع الأديان المختلفة والأراضي الزراعية وحياة الفلاحين.

السيرة الذاتية

 تعد أفلام السيرة الذاتية نوع من أنواع السينما بحيث تتناول المسيرة الحياتية لشخصيات حقيقة قامت بإنجاز عظيم أو أحدثت تأثيراً غير مجرى العالم سواء من الناحية الإيجابية أو السلبية وتختلف الخلفيات العرقية والطبقية والتوجهات الفكرية للشخصيات كما تتنوع مجالات أبطال أفلام السيرة الذاتية من الرياضة والسياسة والعلوم والفنون والقيادة والتعليم.

يعود تاريخ أفلام السيرة الذاتية إلى العام ١٩٠٠ بفيلم المخرج الفرنسي جورج ميليس جان دارك، وجان دارك هي إحدى أبرز الشخصيات في التاريخ تبعتها سلسلة طويلة من هذه النوعية من الأفلام.

تهدف أفلام السيرة الذاتية على تعريف الجماهير بجوانب حياة الشخصية من خلال المحاور التالية: النشأة الاجتماعية وكيف ولدت فكرة الحلم؟ العقبات التي واجهت الشخصية لتحقيق هدفها؟  فكرة الصراع مع الذات ومع المجتمع؟ كيف تم التعامل مع الشخصية؟ عوامل نجاح الشخصية في تحقيق هدفها؟ غالباً ما تسعى هذه الأفلام على تسليط الضوء على جوانب النفس البشرية وإلهام المتلقي لتحقيق أحلامه وتخطي كل عقبات الحياة.

هل لو لم تصنع هذه الشخصيات حدثا هاما لما صنعت افلام لهم؟  الجواب يقبل النفي والقبول ولكن غالبا ما سيكون الجواب هو لن يتم صنع افلام لهؤلاء بالرغم مما يقال أن الناس متساوون في الحقوق والواجبات الإ أن أهمية الأفراد تختلف بإختلاف الطبقات الاجتماعية و المسميات الوظيفية والألقاب والإنجازات كما تلعب شهرة وصيت هذه الشخصيات  دور هام فعلى الرغم من أن أغلب الناس على علم و معرفة بإسهامات و بقصص هذه  الشخصيات الإ أن هولييود مستمرة في إنتاج هذه الأفلام ومن الممكن أن يتم إنتاج عدة أفلام لشخصية شهيرة واحدة كمارلين مونرو و ستيف جوبز  إن هوليوود لا تبحث عن الأشخاص المميزين في الشوارع و المدارس و المقاهي وفي الدوائر الحكومية لكنها تجد نجوم أفلامها على أغلفة المجلات وفي أشرطة التلفاز وفي صفحات الكتب و وسائل الإعلام أجمع اما عن أبرز التحديات التي تواجه أفلام السيرة الذاتية فتتمركز في تشابه الحبكة قفد تتقارب معظم حبكات أفلام السيرة الذاتية نظراً لتشابه البناء الدرامي للأعمال بين قصة الصعود .

  و لو نظرنا في قائمة الفائزين بجائزة الأوسكار خلال السنوات الأخيرة لأدركنا أن معظم الفائزين بالجائزة قد فازوا على أدوار شخصيات حقيقية كغاري اولد مان بدور ونستن تشرتشل و رامي مالك بدور فريدي ميركيري وغيرهم ، فلا شك أن هذه الشخصيات تمثل تحدياً للممثل من الناحية النفسية و الجسدية لكنها أيضاً ساهمت في هبوط مستوى الإبداع الكتابي من ناحية الشخوص فملكة الخيال والابتكار تعد صفة رئيسية من صفات الكاتب وقد أصبحت السينما تفتقر للشخصيات اللافتة للنظر والمكتوبة بحرفية اما عن واقع الأداء فدائماً ما ترتسم صفة المبالغة في أداء الممثلين في أفلام السيرة الذاتية وكذلك في المظهر العام و الصوت والحركة واستخدام المكياج وتعمل أفلام السيرة الذاتية في هوليوود على تظليل الحقائق وإقناع المشاهد بالتعاطف مع الشخصية حتى لو كانت عكس ما يظهره الفيلم.

هل تفقد القصة قيمتها ما لم تروى؟

الإنسان هو القصة فالإنسان هو القادر على التفكير وعلى خلق معنى لحياته وذلك من خلال الممارسة وتحديد الأهداف فكل يوم يمر يمثل سلسلة من التجارب والمحادثات اليومية وطرق للتعلم وصنع القرارات حتى يرتقي الفرد للوصول لمستوى الإنسان

  لا تموت القصة اذ لم تتحول إلى فيلم لكنها تفقد قيمتها البصرية والذاتية فالمعرفة عملية تراكمية تعود للحياة بطريقة اخرى

إن التجربة الإنسانية والمخزون الفكري والثقافي للأفراد يقوم بعملية انتقال المعرفة وتمارس هذه العملية بشكل يومي دون أن تلاحظ وتأتي من خلال الأحداث الدورية كالقراءة والاستماع للموسيقى ومشاهدة التلفاز أو السير وسط المدينة أو النظر نحو السماء أو مراقبة الأخبار أو الاطلاع في الجريدة أو تصاغ كحلم وتتحول إلى أفكار يتم إعادة بناءها وتتغير أسماء شخصياتها وأحداثها فجميع القصص تولد من قصص اخرى وبهذه الطريقة تستمر عملية صناعة الأفلام وبذلك فإن القصة ملكية جمعية بين المخرج والكاتب والممثل والجمهور.

كلمة ختامية

تعاني سينما هوليوود تخبط في الرؤية والنظرة للعالم منذ فترة زمنية ليست بالقصيرة إن ما تفتقره هوليوود اليوم هو النظر للإنسان لا لكونه مشروع اقتصادي انما لكونه ذات خالصة ولذلك يتطلب من سينما هوليوود إعادة اكتشاف وبناء الإنسان من الداخل واستحداث أسئلة وقضايا المجتمع والتوسع في نطاق التفكير والموضوعات واسقاط كل الحواجز من خلال البحث عن قصص جديدة ومبتكرة والتقليل من إعادة الإنتاج وتبني القصص ذات الصيت الواسع والأبطال الخارقين بل انه من الواجب إعمال العقل وتطوير روح الخيال.