الواقعية الجديدة في السينما المصرية
انشق المشهد السينمائي في ثمانينات القرن المنصرم في مصر بين الجانب التجاري والجانب الواقعي، حيث شهدت تلك الفترة تحولات جذرية في المجتمع المصري من النواحي الدينية والسياسية والاقتصادية خاصة بعد دخول جمهورية مصر العربية لسياسة الانفتاح، وقد اتخذ عددا من صناع الأفلام السينما المصرية تحولاً كبيراً في مسارتهم الفنية حيث اتجهوا نحو السينما الواقعية التي بزغ نجمها في ايطاليا وأثرت على العالم أجمع.
برزت سينما الواقعية عبر مرحلتين المرحلة الأولى كانت من خلال فيلم العزيمة الذي انتج في عام ١٩٣٩ وامتدت خلال السنوات اذ ساهم المخرج صلاح أبوسيف في ترسيخ الواقعية في السينما المصرية عبر العديد من الأفلام اما المرحلة الثانية فتشكلت في ثمانينات القرن الماضي التي أسست لمرحلة الواقعية الجديدة فتحول رواد السينما المصرية في تلك الفترة من الرومانسية والحب إلى الواقعية ومن القصور والازياء الفارهة إلى الشارع الذي يعد المحور الأساسي والبطل الرئيسي لسينما الواقعية في فترة الثمانينات بحيث تم تسليط الضوء على الإنسان مشاكله، صراعته، أحلامه، كيف يعيش؟ وما هي غايته من هذه الحياة؟ كما تغير مفهوم البطل من الرجل الوسيم الرومانسي الحالم إلى الرجل ذو الملامح العادية المكافح لنيل قوت يومه أمثال أحمد زكي وعادل إمام ونور الشريف الذين شكلوا ملامح هذه الحقبة، و تمثل سينما الواقعية الجديدة مرجعاً تاريخياً هاما لفترة زمنية حاسمة فقد صورت السينما الشوارع والأسواق واللافتات والمصانع والأرصفة والمباني وطرق المواصلات والملابس كما هي ولعبت دورا بارزا في زيادة وعي أفراد المجتمع بمشاكله وإبراز طبقة الفقراء والعمال والمهمشين واحتل عدد كبير من أفلام سينما الواقعية الجديدة مراتب متقدمة ضمن تصنيف أفضل مئة فيلم مصري وعربي وتميزت هذه الافلام بطرق تصوير مبتكرة تجسد الفروقات الاجتماعية والصراعات الفوقية.
الإشكاليات التي طرحتها سينما الواقعية في الثمانينات
الحقيقة
إن الغاية من السينما هي البحث عن الحقيقة، تكشف السينما الواقعية الغطاء عن كل ما هو مستور وتدعو الإنسان للتغير والتمرد.
تدور أحداث فيلم سواق الأتوبيس للمخرج عاطف الطيب حول حسن الذي يعمل سواقاً للأتوبيس كعمل إضافي بعد أن وقع والدة في أزمة مالية، يناقش فيلم سواق الأتوبيس مواضيع متنوعة مثل التفكك الأسري، الفقر، الهوية، الظلم الاجتماعي والتغييرات الاجتماعية والاقتصادية، إن ما يجعل فيلم سواق الأتوبيس فيلماً أصيلاً خالداً هو بساطته في الطرح حيث يبدو فيلماً بسيطاً واضحاً في ظاهره لكنه فيلم عميق في باطنه، الأداء التمثيلي السلس لنور الشريف والحوارات الكلامية زادت الفيلم جمالاً ويمكن القول أن نهاية فيلم سواق الأتوبيس الرمزية تعد واحدة من أفضل نهايات الأفلام على الإطلاق.
برزت أفلام عديدة في فترة الثمانينات مثل الصعاليك لداوود عبدالسيد، الأفوكاتو وللحب قصة أخيرة وسمك لبن تمر هندي لرأفت الميهي ويوم حلو ويوم مر والطوق والأسورة لخيري بشارة.
الأخلاق
الأخلاق هي مضمون الفعل الإنساني، فالأخلاق ليست إلا قيمة يخلقها الإنسان لنفسه لمواجهة المواقف التي يتعرض لها في حياته، ناقشت سينما الثمانينات مسألة الأخلاق وذلك من خلال ثلاثية الأخلاق للمخرج علي عبد الخالق والكاتب محمود ابوزيد التي تتمثل في فيلم العار والكيف وجري الوحوش حيث نجد في الأفلام الثلاثة تشريحاً عميقاً للنفس الإنسانية عبر المواقف التي تمر فيها هذه الشخصيات ونتأمل كيف تقوم هذه الشخصيات باتخاذ قرارتها وتحديد مصيرها وكيف أن قرار شخص واحد يؤثر على مجتمع كامل فنرى التغييرات الهائلة في مشاعر وأخلاق الناس في المجتمع الحديث.
اما فيلم حتى لا يطير الدخان للمخرج أحمد يحيى فيركز حول شخصية فهمي عبد الهادي الطالب المجتهد القادم من الريف الذي يصدم بالواقع المرير عندما يرفض أصدقائه مساعدته في علاج والدته حتى تتوفى من المرض، يقدم لنا فيلم تحول تدريجي في شخصية فهمي عبد الهادي من إنسان بسيط إلى رجل يتخلى عن كل قيمه ومبادئه سعياً للانتقام، يناقش الفيلم قضايا الفقر والصراع الطبقي ويطرح الفيلم سؤالاً جوهرياً ألا وهو هل هناك مبرر كاف كي يخسر الإنسان قيمه من أجل الانتقام؟
الحياة اليومية
فيلم أحلام هند وكاميليا من اخراج محمد خان وبطولة نجلاء فتحي وعايدة رياض يسلط الفيلم الضوء على الحياة اليومية لصديقتان تعملان في خدمة البيوت حيث يعكس العمل مدى قوة وصلابة وكفاح نساء الطبقة العاملة ويصور كافة أشكال التضامن بين النساء ويتضمن الفيلم قضايا عديدة أبرزها الفروقات الطبقية والفقر والجريمة والجهل في المجتمعات الفقيرة.
ولا بد من ذكر فيلم الحريف الذي يعتبر علامة من علامات السينما المصرية، الفيلم يأخذنا في رحلة مع بطل الفيلم فارس من المصنع إلى الشارع إلى ساحة لعب كرة القدم إلى مكان إقامته ونتشارك معه مشاكله وصراعاته، وهمومه، وطموحة، وأحلامه.
وهناك أفلام أخرى مثل عودة مواطن والبريء وزوجة رجل مهم وغيرها وبذلك نجد أن فترة الثمانينات شهدت على انخفاض كبير في عدد أفراد الطبقة المتوسطة وزيادة في عدد السكان وتصاعد في مستوى الفقر مما انعكس على توجهات السينما.
ولادة مخرجين جدد
محمد خان
محمد خان الذي لم يحمل الجنسية المصرية إلا قبل وفاته بعامين يعد من أبرز مخرجين الواقعية المصرية وقد أصبح بإمكان المشاهد التعرف على أبرز تفاصيل خان عبر أفلامه فنلاحظ حبه لاختيار اسم فارس لمعظم ابطال أفلامه واهتمامه في اظهار الشارع المصري والطعام وجوهر وعواطف الإنسان وقد ظل خان وفياً للشارع وللطبقة العاملة حتى أخر أعماله فتاة المصنع.
عاطف الطيب
رحل عاطف الطيب مبكراً تاركاً ورائه إرثاً سينمائياً عظيماً كان عاطف شبيها بأبطال أفلامه عادياً في المظهر لكنه كان بطلاً خارقا استطاع أن يكون صوتا للعمال والفقراء والمهمشين، اخرج عاطف الطيب ٢١ فيلماً معظمهم يصنفون كعلامة فارقة في تاريخ السينما المصرية.
رأفت الميهي
تعد سينما رأفت الميهي حالة فنية خاصة وفريدة من نوعها فبينما يتم تصنيف أفلامه كفانتازيا وخيال، يمكن القول أن سرديات أفلام الميهي عكست الواقع بشكل ساخر وهزلي ورمزي فلربما تبدو رؤى رأفت الميهي خارجة عن المألوف لكنه كان سابقاً لعصره فالأفكار التي طرحها في أفلامه تطرح اليوم في العديد من الأفلام العالمية.
وبذلك نجد أن سينما الثمانينات الواقعية أثرت على الجماهير وعلى مستقبل صناعة الأفلام في مصر والعالم العربي وستظل علامة مميزة في تاريخ السينما المصرية.