في رثاء الموجة الفرنسية
هل تساءلتم عن السبب الذي جعل الموجة الفرنسية الحركة الفنية الأكثر إلهاما في التاريخ؟
بألوانها الثلاثة الازرق والاحمر والأبيض، حملت الجمهورية الفرنسية شعار الحرية والإخاء والمساوة منذ اندلاع الثورة الفرنسية التي شكلت هوية فرنسا.. ومع رحيل جان لوك غودار والان ديلون اخر عملاقة الموجة الفرنسية تاركين ورائهم فراغا لا يمكن ملئه بقي عرش الموجة الفرنسية دون اي وريث.
النشأة ومفهوم الموجة الفرنسية:
سينما الموجة الفرنسية هي حركة سينمائية برزت في فترة نهاية خمسينيات وحتى نهاية ستينيات القرن العشرين، و ركزت على كسر جميع القواعد التقليدية من خلال التجريد والتجريب والابتكار في السرد السينمائية تأثرت الموجة الفرنسية بالعوامل الثقافية فكان للأدب والموسيقى والمسرح دور هام في صياغة المشهد السينمائي كما ولم تخلوا الساحة الفرنسية من النزاعات السياسية التي مثلت رافدا أساسيا في تشكيل أصوات الرأي العام.
وفي فترة زمنية لم يعد العالم فيها قادرا على التعرف على نفسه ظهرت مجموعة فنية من الشباب الذين عملوا في مجال النقد السينمائي طارحين أفكارا جديدة حتى باتوا فيما بعد ألمع صناع الأفلام في العالم.
خصائص السينما الفرنسية:
الرفض هو العنوان الذي حملته الموجة الفرنسية فبينما تمثل الحياة الفعل مثلت السينما ردة فعل على الحرب والثورة الصناعية والحب والهزيمة والفراغ والتشتت، تبنت الموجة أساليباً وأشكالا غير تقليدية كتعبير عن التمرد على كل ما هو تقليدي، مما سمح بتداخل الأحداث الدرامية وتغيير السياق الزمني والسردي.
تناولت سينما الموجة الفرنسية محتويات فنية جديدة فتطرقت لمفاهيم الحب والهوية والعدم والعلاقات المعقدة والماضي واضطرابات الشخصية ومعاني الحرية والعدالة وغيرها من المواضيع التي لم يتم الحديث عنها سابقاً، وذلك ضمن فترة زمنية اتسمت بانخفاض الميزانية وثراء الأفكار.
تميزت أفلام الموجة الفرنسية باعتمادها التام على التقنيات الحديثة واستخدامها لعناصر الإضاءة الطبيعية ومواقع التصوير الواقعية بعيداً عن استديوهات التصوير كما اتجهت لطرق مبتكرة في رواية القصص هذا وقد سعت الموجة الفرنسية على الابتعاد عن الخط التجاري والتركيز على تقديم أهداف فنية واضحة.
دفاتر السينما
نحو ٧٣ عام مرت على انطلاق دفاتر السينما، أقدم مجلة سينمائية ناطقة باللغة الفرنسية التي ساهم في تأسيسها عام 1951 كل من أندريه بازان، وجاك دونيول فالكروز، وجوزيف ماري لو دوكا لتكون نسخة مطورة من مجلة مراجعة السينما ليتحول العديد من النقاد السينمائين العاملين فيها إلى أعظم ما انجب الفن السينمائي .
انصب اهتمام مجلة دفاتر السينما على الأعمال السينمائية من مختلف مناطق وبقاع الأرض كما التزمت بتقديم مجموعة من الرؤى التحليلية والنظريات والدراسات الفكرية حول الأفلام المستقلة من المناطق المغيبة إعلاميا كقارة آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
ومن هذا المنطلق كان لفرنسا دور مهم في عملية تأريخ السينما حيث لعبت مجلة دفاتر السينما عاملا محوريا في تخليد مختلف الحقب الزمنية للفن السابع وتعريف الجماهير بالأعمال السينمائية وصناع الأفلام من مختلف أرجاء العالم مما ساهم في نشر الثقافة السينمائية وإبراز السينما كفن مستقل قادر على صناعة التغيير وإظهار صورة موازية للواقع بالإضافة إلى تعزيز دور الشباب وتحويل أفكارهم إلى واقع.
كما نتيفلكس اليوم شكلت دفاتر السينما منصة عالمية كان لها الاسبقية في صياغة وإعادة بلورت فن السينما حيث أضاءت دور الصحافة لتكون حلقة وصل بين القراء والنقاد السينمائيين واحيت الكتابات والمقالات الصحفية حرية الرأي والحوار المنفتح كل هذه العوامل ساهمت في تفعيل سينما المؤلف واعطت الموجة الفرنسية طابعا فريدا من نوعه.
أبرز الأسماء
جان لوك غودار:
يعد جان لوك غودار، عراب السينما الفرنسية، اتسمت أعماله بالجرأة والانفرادية، والتجديد.
أخرج غودار ما يقارب ال ٨٠ فيلما، ابتعد عن الحياد ولم يخشى أن يظهر آرائه السياسية فتطرق لمواضيع عدة مثل حرب التحرير الجزائرية، وحرب فيتنام، والاشتراكية، الديمقراطية، والرأسمالية، والشيوعية ونظرية الجندر، وتقلب مزاج الإنسان، والذكورة والأنوثة.
يقول كوينتين تارانتينو: “غودار هو من علمني المتعة والحرية وفرحة كسر القواعد … أعتبر غودار هو السينما مثل بوب ديلان في مجال الموسيقى. “
فرانسوا تروفو:
فرانسوا تروفو الفنان الذي أحب فن السينما، لم يكن تروفو مخرجاً فقط، وإنما عمل أيضاً كناقد سينمائي ومحرراً صحافياً، يحمل رصيدا من الاعمال الهامة أهمها قبلات مسروقة، جول وجيم وغيرها و يعتبر فيلم ٤٠٠ ضربة أحد أفضل كلاسيكيات السينما الفرنسية ونقلة نوعية في تاريخ السينما العالمية.
انيس فاردا:
مخرجة ومصورة ورائدة أسهمت في تطوير أفلام الموجة الفرنسية الجديدة بالخمسينيات والستينيات، ركزت أفلامها على عدة مواضيع مثل تحقيق الواقعية الوثائقية وطرح قضايا المرأة ، قادت فارادا الكثير من النساء للدخول إلى عوالم صناعة الافلام والعمل خلف الكواليس.
ايريك رومير
شغل ايريك رومير منصب المحرر الرئيسي في مجلة (دفاتر السينما)
جمع رومير بين حبه للأدب وقدرته على نقل الحياة بشكل سينمائي، تمتاز أعماله بالعمق والبساطة كالعلاقة بين الرجل والمرأة او الاختيارات التي يتخذها الانسان في الحياة اليومية اشتهر بعمله ذائع الصيت سداسية الأخلاق.
ما بعد الموجة الفرنسية
تجردت الموجة من كل فعل وشيء ومثلت حالة تصف فيها موقف الانسان من الحياة اذ لم تقتصر تأثيرات الموجة الفرنسية على السينما الفرنسية فحسب، بل امتدت إلى السينما العالمية فقد استلهم منها العديد من المخرجين في هوليوود وأوروبا، وتعلموا منها كيفية كسر الحواجز التقليدية وتجريب أساليب سردية بصرية جديدة.
ختاماً، يمكن القول إن الموجة الفرنسية لم تكن مجرد حركة سينمائية عابرة، بل كانت نقطة تحول كبرى في تاريخ السينما. وقد أثبتت هذه الحركة أن الفن السينمائي يمكن أن يكون مساحة للتجريب والإبداع اللا محدود..