مفهوم المثقف في السينما (يلماز غوناي وجعفر بناهي)

الصراع الدامي بين تركيا وإيران لا يزال يتصدر المشهد السياسي في منطقة الشرق الأوسط إلا اننا ومن خلال هذا المقال سنسلط الضوء على مخرجين سينمائين لم يلتقيا قط ليمثلا القطبين التركي والإيراني يلماز غوناي وجعفر بناهي وبالرغم من أن هذين الاثنين لم يلتقيا قط إلا انهما يتشابهان في التمرد والشجاعة والسعي وراء الحقيقية والأهم من ذلك كونهم مثقفين عضوييون صانعين للتغيير.

القومية والهوية

يلماز غوناي

`       ولد يلماز بوتون غوني في الاول من أبريل ١٩٣٧ في قرية بنيجة التابعة  لمحافظة أضنة في شمال كردستان لأم وأب كرديين  بدأت حياته المهنية باكراً فقد عمل في مختلف الأعمال والمهن الحرفية و عندما انهى غوني دراسته  في المرحلة الثانوية زاد حبه و شغفه للفن والأدب فأطلق مع بعض من زملائه مجلتين هما (دوران) و (بوران ) لكن سرعان ما توقفوا عن النشر وذلك نظراً لسوء الحالة المادية وبسبب انضمامه لجامعة  اسطنبول. سخر غوني كتابته القصصية للحديث عن واقع حياته اليومية، بدأ غوناي نشاطه السينمائي كمساعد مخرج وكاتب سيناريو وممثل في فيلم أبناء هذا الوطن مع المخرج عاطف يلماز. أولى تجاربه الإخراجية كانت في عام ١٩٦٨ في فيلم سيد دخان الذي حصد نجاحاً كبيراً واستمرت رحلته السينمائية حتى توفي عام ١٩٨٤ بعمر ٤٧ عاماً بعد مسيرة حافلة من النضال كللتها ٤ روايات ومئات من القصص، اخرج ١٧ فيلما ومثل في ١١٠ فيلم كما قدم العديد من المساهمات الفنية في كتابة السيناريو ومن أهم أعماله الطريق، القط، الجدار، الأمل، الهاربون، الرجل القبيح.

جعفر بناهي

ولد جعفر بناهي في الحادي عشر من يونيو ١٩٦٠ في مدينة ميانا في إيران لعائلة اذرية ايرانية متوسطة الحال، اكتشف بناهي ولعه بالسينما بعمر العاشرة فصنع أول فيلم له، في فترة شبابه مارس التصوير الفتوغرافي خلال خدمته العسكرية حيث شارك في الحرب الإيرانية العراقية 1980-1990 – التحق بكلية السينما والتلفزيون في طهران، و درس الاخراج السينمائي وقدم عدة افلام وثائقية للتلفزيون الإيراني، و عمل كمخرج مساعد لعباس كيروستامي في فيلم أشجار الزيتون عام 1994 م ، يعد فيلم البالون الأبيض أولى محطاته الاخراجية ، تتميز أعمال بناهي بمخاطبتها لقضايا الشارع الإيراني اذ تعرض على اثرها على العديد من التوقيفات. من أهم أعماله الدائرة، المرآة، تاكسي طهران، ٣ وجوه، لا دببة وغيرها.

الشعور بعدم الانتماء وتجربة السحن

   تشارك غوناي وبناهي الشعور بعدم الانتماء قد لا يكون هذا الشعور ناتجا عن الاختلاف العرقي أو كونهم أقلية بل هو نتيجة لعدم قبول الإنسان لأخيه الإنسان في مكان ما.

مر كل من غوناي وبناهي بتجربة السجن مع اختلاف مدة وسنوات الحبس ولأسباب مماثلة، السجن لا يمثل مجرد تجربة قاسية و مريرة بل هو انعكاس لمنظومة تعاقب كل من يختلف معها. طوال فترة حياته كان يلماز غوناي ضيفاً دائماً للسجن ففي العام ١٩٥٨حكمت عليه المحكمة الجنائية بالسجن لمدة سبعة أعوام ونصف بتهمة الانتماء للتيار اليساري، حيث ادعت المحكمة أن رواية “ثلاثة حقائق للظلم الاجتماعي” تحتوي على دعاية معلنة لليسارية بعد ذلك تم اخلاء سبيله.

في كانون الأول من عام ١٩٦٠ أصدرت محكمة الاستئناف بحقه حكماً مدته ثمانية عشر شهراً يقضيها في السجن وستة أشهر في المنفى.

اما في العام ١٩٧١ اعتقل غوناي مرة اخرى وحكم عليه بالسجن لمدة عشرة أعوام وذلك بتهمة مساعدة الطلاب المشاركين في أعمال الشغب.

وخلال عام ١٩٧٤ زج غوناي إلى السجن للمرة الثالثة وفي هذه المرة لفقوا ضده تهمة قتل قاض في أضنة، وكان ذلك القاضي من المجموعات المتطرفة كانت مجموعة الاحكام الغيبية الصادرة ضد غوناي تجاوزت المئة سنة وهكذا انتقل غوناي من سجن إلى سجن آخر، سجن أوبتاشي، سجن سليمية، سجن إمرالي، سجن إسبارطة.

و بالعودة لبناهي ، حكم على المخرج الإيراني جعفر بناهي في عام ٢٠١٠ بالسجن لمدة ستة أعوام بتهمة الدعاية المضللة ضد النظام والدعوة للاحتجاجات وقد قضى بناهي حينها نحو شهرين في السجن، قبل أن يتم الافراج عنه بموجب إطلاق سراح مشروط يمكن العودة عنه في أي لحظة.

  في ١١ يوليو ٢٠٢٢ تم القبض على بناهي من أمام سجن إيفين حيث تم حبسه والجدير بالذكر أن بناهي كان قد امتنع عن الطعام والشراب اعتراضا منه على سجنه، تم إطلاق سراح بناهي في مطلع العام ٢٠٢٣ بعد قضائه نحو ٦ ستة أشهر في سجن ايفين وذلك وسط جهود واسعة من عائلته ومحامين ومدافعين لحقوق الإنسان ومؤسسات تابعة لهيئات صناعة السينما.

الرقابة

منع يلماز غوناي من استخدام اللغة الكردية في أفلامه، اذ يمثل منع استخدام اللغة دلالة على عدم الاعتراف باللغة الكردية كجزء من التكوين الثقافي للقومية التركية فاللغة تعد عنصراً هاماً للتعبير وإبداء الرأي وإحداث الفروقات وهي جزء من الذاكرة الجمعية ورمز للثقافة من شعر وقصص وموسيقى وأساس التواصل بين الأفراد والسلطة وهي كائن حي متأصل ومتجدد دال على وجود واستمرار مجتمع ما.

هذا وقد توقفت أفلام غوناي عن العرض في تركيا لفترة من الزمن حتى أصبحت قابلة للعرض في يومنا هذا وكانت أفلامه تخضع للمراقبة المحتوى بشكل مستمر. 


فرضت السلطات العديد من الأحكام على المخرج الإيراني جعفر بناهي حيث حكم بالسجن لمدة ٦ سنوات ومنعت أفلامه من العرض وفرضت عليه الإقامة الإجبارية في المنزل حيث منع من مزاولة العمل السينمائي لمدة ٢٠ عام ممنوعاً من مغادرة إيران، أو الظهور الإعلامي او اجراء مقابلات.

طرق بديلة في صناعة الأفلام

منذ قديم الزمان شكل ظلام السجن و قضبانه المعتمة عنصر إنارة للعديد من المفكرين والأدباء  تنمي العزلة فهم الذات و وتصاعد الافكار والتأملات حول قيم ومعاني الحياة فقد سبق غوناي هذه التجربة نخبة  من أهم  الكتاب منهم غرامشي و اوسكار وايلد إن ما يميز غوناي ليس إنتاجاته الادبية داخل السجن ذلك لانه أكد على أهمية الفترة التي قضاها في إثراء عطاءه الادبي  بل تمثل قدرة غوناي على صناعة أفلام سينمائية من داخل السجن ظاهرة فريدة وغير مسبوقة  وذلك عن طريق توجيهات  كان يقدمها لزملائه أثناء زيارتهم له حيث كان يسدي النصائح  بطرق التعامل مع الكاميرا لتصوير المشاهد ليصنع أفلامه ، هرب غوناي من السجن  إلى فرنسا وتوج فيلم الطريق بسعفة كان الذهبية.

في أغلب الأحيان يصنع الانسان سجنه وقيوده بنفسه ولكن عندما تبنى الجدران يلجأ البعض لابتكار طرق بديلة بدلاً من الاستسلام، عندما فرضت السلطات الاقامة الاجبارية ما كان منه إلا أن صنع فيلماً منزلياً كاملاً كما يقول عن تجربته من خلال فيلم هذا ليس فيلماً ففي هذا الفيلم يصور بناهي حياته اليومية في الإقامة الجبرية ويعبر فيه عنه حقوق الفنان واحتياجاته.

كاميرا في تاكسي يجوب مدينة طهران بشكل غير مقصود يمضي التاكسي متنقلاً في أوساط المدينة يلتقي بالغرباء ليتعرف على أراء المواطنين حول الاوضاع العامة في إيران فيلم (تاكسي طهران) هو كشف لما هو أكبر من خبايا النفس البشرية.

أعمال مثل لا دببة وثلاثة وجوه ماهي إلا موقف ثبات على استمرار بناهي في صناعة السينما لتسليط الضوء على ما يمر به الشعب الإيراني رغم كل التحديات.  

وظيفة المثقف

آلة تصوير وقلم كانتا كفيلتان لخلق حركة نضال وكفاح للدفاع عن قيمة الإنسان من خلال الفن وبينما لا يتعدى الفن مفهوم المال والجمال والشهرة عند البعض تتناثر أفكار المثقف الحقيقي مخترقة أسوار السجون والأعين والحدود الجغرافية كاسرة كل حواجز الصمت والخوف، ينهض الفن عندما يمارس المثقف دوره من أجل الإنسان فقد فتحت أعمال يلماز غوناي وبناهي السينمائية نافذة على حياة مجتمعات لا يعلم الكثير بوجودها وبات الجمهور على معرفة بالظلم الإجتماعي والمعاناة اليومية التي تتعرض لها هذه المجموعة من الناس.

تكمن أهمية أفلام يلماز غوناي في مساهمتها بالتعريف على بقعة جغرافية تدعى كردستان الواقعة في شمال تركيا وذلك من خلال إظهار الجوانب الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية لهذه المنطقة إن أبرز ما تتميز به أفلام ملك الشاشة القبيح هي المصداقية في الطرح والتغلغل في أعماق الهوية والانتماء للأرض والمقاومة.

وفي زمن نسينا فيه دور الفنان الحقيقي يظهر جعفر بناهي ليعيد تذكيرنا أن الفن هو الحقيقة حيث يقدم لنا صور متحركة عن واقع الإنسان المتصل بالعادات والتقاليد والظلم الاجتماعي والمعاناة اليومية والجهل والفساد الاخلاقي والمراقبة وانعكاس الواقع بالخيال، ومن خلال أعماله يحرص بناهي لإظهار أفراد مجتمعه عبر الطلاب والمثقفين وما يتعرضون له، أهالي القرى المتأثرين والقانعين بالخرافات، المرأة أساس المجتمع وجوهر الحياة، المهمشين والاطفال مستقبل الوطن وامل التغيير.

الفن ليس ملك لطبقة معينة وله علاقة في كافة جوانب الحياة وبذلك يعطي كل من غوناي وبناهي درساً عظيماً في الصمود والاستمرارية في ممارسة الإنسان حقه في الحياة والعمل والحلم فقد فرضوا هيمنتهم كمثقفين من خلال تقديمهم شرحاً مفصل عن الوجود وما يمر به أفراد المجتمع وبذلك يستيقظ الوعي بين الناس ويبدأ التنوير وتنتج المعرفة المثقف العضوي الصانع للتغيير.

إشادات عالمية:

حققت أفلام بناهي و غوناي أكبر الجوائز في مختلف المهرجانات العالمية، نال غوناي السعفة الذهبية من مهرجان كأول عمل تركي يفوز بهذه الجائزة العريقة حظي في مجمل مسيرته على العديد من الجوائز والتكريمات عن أعماله الأدبية والسينمائية.

في عام ١٩٨٣ اسس مع زميله جيكر خوين المعهد الكردي في باريس بإعتباره ارث دائم للبشرية ودعوة للمحافظة على التاريخ واللغة والثقافة الكردية والاعتزاز بالهوية لايزال المعهد قائماً ومستمراً في عمله، تضم مكتبة المعهد العديد من الكتب الناطقة باللغة الكردية.

اقتنص بناهي جائزة الدب الذهبي من مهرجان برلين السينمائي عن عمل تاكسي طهران وجائزة الأسد الذهبي من مهرجان البندقية السينمائي عن عمل الدائرة كما قد حاز على جائزة أفضل سيناريو من مهرجان كان السينمائي عن فيلم ثلاثة وجوه وغيرها من الجوائز وأيضا فاز بجائزة سخاروف لحرية الفكر وجائزة حرية ومستقبل الإعلام لجهوده للدفاع عن حقوق الإنسان وحرية الفكر.